الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

423

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

من جانب المشركين ، وما يزال المعارضون المعاندون يتابعونهم في ذلك ، مع أن حياة الجزيرة العربية لم تكن فيها مدرسة ولا درس ليتعلم منها رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) شيئا ، كما أن رحلاته إلى خارج الجزيرة كانت قصيرة لا تدع مجالا لمثل هذا الاحتمال ، ثم إن معلومات اليهود والمسيحيين الذين كانوا يسكنون الحجاز كانت على درجة من التفاهة وتسطير الخرافات بحيث لا يمكن - أصلا - مقارنتها بما في القرآن ولا بتعاليم الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وسنشرح هذا الموضوع - إن شاء الله - عند تفسير الآية ( 103 ) من سورة النحل . ثم تبين الآية واجب رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في قبال معاندة المعارضين وحقدهم واتهاماتهم ، فتقول : اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو ومن واجبك أيضا الإعراض عما يوجهه إليك المشركون من إفتراءات : واعرض عن المشركين . هذا - في الواقع - ضرب من التسلية والتقوية المعنوية للنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لكيلا ينتاب عزمه الراسخ الصلب أي ضعف في مواجهة أمثال هؤلاء المعارضين . يتبين مما قلناه بجلاء أن عبارة واعرض عن المشركين لا تتعارض مطلقا مع الأمر بدعوتهم إلى الإسلام ولا مع الجهاد ضدهم ، فالمقصود هو أن لا يلقى اهتماما إلى أقوالهم الباطلة واتهاماتهم الكاذبة ، بل يمضي في طريقه بثبات . الآية الأخيرة يكرر القرآن فيما - مرة أخرى - القول بأن الله لا يريد أن يكره المشركين ويجبرهم على الإسلام ، إذ لو أراد ذلك لما كان هناك أي مشرك : ولو شاء الله ما أشركوا كما يؤكد القول لرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : إنك لست مسؤولا عن أعمال هؤلاء ، لأنك لم تبعث لإكراههم على الإيمان : وما جعلناك عليهم حفيظا ، ولا من واجبك حملهم على عمل الخير : وما أنت عليهم بوكيل . " الحفيظ " هو من يراقب أمرا أو شخصا ليحفظه من أن يصاب بضرر ، أما " الوكيل " فهو من يسعى لإحراز النفع لموكله .